أبي منصور الماتريدي

411

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

[ وتأويله - والله أعلم - : أنهم كانوا يطلبون من ربهم الرد إلى حال الأمن ؛ ليجيبوا بقولهم : رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ؛ والله أعلم ، فقال : وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بتكذيبهم الرسل ] « 1 » ؛ أي : سكنتم في الدنيا في مثل منازلهم ومساكنهم ؛ فرأيتم ما نزل بأولئك الذين صنعوا مثل صنيعكم . وذلك قوله - عزّ وجل - : وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ من التعذيب والاستئصال ثم لم يتعظوا بما حلّ بهم ، فعلى ذلك إذا رددتم إلى حال الأمن لا تتعظون بما حلّ بكم في هذه الحال ، وهو ما قال : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ الأنعام : 28 ] فيما يقولون : إنهم يجيبون دعوته ، هذا - والله أعلم - تأويله . وقال بعض أهل التأويل : وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ : أي : عملتم مثل أعمالهم ، وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ من الاستئصال بالتكذيب ؛ بتكذيبهم الرسل ؛ فلم تتعظوا بذلك ؛ فلا تتعظون بهذا أيضا إذا رددتم . والله أعلم . وفي قوله : وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ . . . إلى آخر ما ذكر : دلالة لزوم النظر والاستدلال ، ولزوم القياس ، ودلالة لزوم العقوبة ؛ وإن كان لم يعلموا به ؛ بعد أن مكنوا من العلم به . أما دلالة النظر والاستدلال : هو قوله : وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ : فهلا نظرتم ما حلّ بهم من تكذيبهم الرسل ؛ واتعظتم به . ودلالة القياس : هو ما خوفهم أن ينزل بهم ما نزل بأولئك ؛ لأنهم اشتركوا في المعنى الذي نزل بأولئك ؛ ما نزل وهو تكذيبهم الرسل ، وسوء معاملتهم إياهم . وقوله - عزّ وجل - : وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ : أي : وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ ؛ ما لو تفكرتم فيها ونظرتم ثم لكان ذلك لكم موعظة وزجرا عن مثل صنيعكم . أو يقول : وضربنا لكم الأمثال : أي : قد بينّا لكم الأمثال والأشباه ما يعرفكم ؛ لو تأملتم أن أولئك لكم أشباه وأمثال ، وصنيعهم لصنيعكم أشباه وأمثال ؛ فينزل بكم ما نزل بهم . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ . [ مكروا ] « 2 » واحتالوا على إهلاك الرسل وقتلهم ؛ كقوله : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا . . . الآية [ الأنفال : 30 ] وكيدهم الذي ذكر - في غير آي من القرآن - برسل الله ؛ حتى قال الرسل فيكيدوني جميعا ، ومكروا أيضا بدين الله الذي أتت به الرسل ، مكروا

--> ( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في ب . ( 2 ) سقط في أ .